العيني
232
عمدة القاري
قم فاركع ركعتين ، وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته ) فإن قلت : قال الدارقطني : أسنده عبيد بن محمد ووهم فيه . قلت : ثم أخرجه ( عن أحمد بن حنبل حدثنا معتمر عن أبيه قال : جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال : يا فلان أصليت ؟ قال : لا . قال : قم فصل ، ثم انتظره حتى صلى ) . قال : وهذا المرسل هو الصواب . قلت : المرسل حجة عندنا ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا أبو معشر ( عن محمد بن قيس : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حيث أمره أن يصلي ركعتين أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه ، ثم عاد إلى خطبته ) . الجواب الثاني : أن ذلك كان قبل شروعه ، صلى الله عليه وسلم ، في الخطبة . وقد بوب النسائي في ( سننه الكبرى ) على حديث سليك ، قال : باب الصلاة قبل الخطبة . ثم أخرج عن أبي الزبير عن جابر قال : ( جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر ، فقعد سليك قبل أن يصلي . فقال له ، صلى الله عليه وسلم : أركعت ركعتين ؟ قال : لا . قال : قم فاركعهما ) . الثالث : أن ذلك كان منه قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة ، ثم لما نسخ في الصلاة نسخ أيضا في الخطبة لأنها شطر صلاة الجمعة أو شرطها . وقال الطحاوي : ولقد تواترت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من قال لصاحبه : أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغا ، فإذا كان قول الرجل لصاحبه والإمام يخطب : أنصت ، لغوا ، كان قول الإمام للرجل : قم فصل لغوا أيضا ، فثبت بذلك أن الوقت الذي كان فيه من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الأمر لسليك بما أمره به إنما كان قبل النهي ، وكان الحكم فيه في ذلك بخلاف الحكم في الوقت الذي جعل مثل ذلك لغوا ، وقال ابن شهاب : خروج الإمام يقطع الصلاة ، وكلامه يقطع الكلام ، وقال ثعلبة بن أبي مالك : كان عمر ، رضي الله تعالى عنه ، إذا خرج للخطبة أنصتنا . وقال عياض : كان أبو بكر وعمر وعثمان يمنعون من الصلاة عند الخطبة . وقال ابن العربي : الصلاة حين ذاك حرام من ثلاثة أوجه : الأول : قوله تعالى : * ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ) * ( الأعراف : 204 ) . فكيف يترك الفرض الذي شرع الإمام فيه إذا دخل عليه فيه ويشتغل بغير فرض ؟ الثاني : صح عنه ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ( إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت ) . فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأصلان المفروضان الركنان في المسألة يحرمان في حال الخطبة ، فالنفل أولى أن يحرم . الثالث : لو دخل والإمام في الصلاة ولم يركع ، والخطبة صلاة ، إذ يحرم فيها من الكلام والعمل ما يحرم في الصلاة . وأما حديث سليك فلا يعترض على هذه الأصول من أربعة أوجه : الأول : هو خبر واحد . الثاني : يحتمل أنه كان في وقت كان الكلام مباحا في الصلاة ، لأنا لا نعلم تاريخه ، فكان مباحا في الخطبة ، فلما حرم في الخطبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو آكد فرضية من الاستماع ، فأولى أن يحرم ما ليس بفرض . الثالث : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، كلم سليكا وقال له : قم فصل ، فلما كلمه وأمره سقط عنه فرض الاستماع ، إذ لم يكن هناك قول في ذلك الوقت إلاّ مخاطبته له وسؤاله وأمره . الرابع : أن سليكا كان ذا بذاذة ، فأراد ، صلى الله عليه وسلم ، أن يشهره ليرى حاله . وعند ابن بزيزة : كان سليك عريانا فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يراه الناس . وقد قيل : إن ترك الركوع حالتئذ سنة ماضية وعمل مستفيض في زمن الخلفاء ، وعولوا أيضا على حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله تعالى عنه ، يرفعه : ( لا تصلوا والإمام يخطب ) . واستدلوا بإنكار عمر ، رضي الله تعالى عنه ، على عثمان في ترك الغسل ولم ينقل أنه أمره بالركعتين ، ولا نقل أنه صلاهما . وعلى تقدير التسليم لما يقول الشافعي ، فحديث سليك ليس فيه دليل له ، إذ مذهبه أن الركعتين تسقطان بالجلوس . وفي ( اللباب ) : وروى علي بن عاصم عن خالد الحذاء أن أبا قلابة جاء يوم الجمعة والإمام يخطب ، فجلس ولم يصل . وعن عقبة بن عامر . قال : ( الصلاة والإمام على المنبر معصية ) . وفي ( كتاب الأسرار ) : لنا ما روى الشعبي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا صعد الإمام المنبر فلا صلاة ، ولا كلام حتى يفرغ ) . والصحيح من الرواية : ( إذا جاء أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام ) . وقد تصدى بعضهم لرد ما ذكر من الاحتجاج في منع الصلاة والإمام يخطب يوم الجمعة ، فقال جميع ما ذكروه مردود ، ثم قال : لأن الأصل عدم الخصوصية . قلنا : نعم ، إذا لم تكن قرينة ، وهنا قرينة على الخصوصية ، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه النسائي عنه يقول : ( جاء رجل يوم الجمعة والنبي ، صلى الله عليه وسلم ، يخطب بهيئة بذة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصليت ؟ قال : لا ، قال :